القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار الاخبار[LastPost]

التزكية في القران الكريم - التزكية قبل التقنية

 معنى عنواننا "التزكية قبل التقنية" هو البدؤ بتزكية النفس وتطهير القلب، قبل الشروع في ممارسة العلوم الكونية المادية في القرآن الكريم.
بسم الله الرحمان الرحيم 

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 
 تعالوا بنا أيها السادة والسيدات إلى موضوع من الموضوعات الهامة، التي يحفل بها كتاب الله عز وجل، عنوان هذا الموضوع "التزكية قبل التقنية في كتاب الله سبحانه وتعالى"، وحديثنا عن التزكية وأهميتها في كتاب الله عز وجل، هو نقيض الحديث عن الطغيان ومصيره في كتاب الله عز وجل. 
 أيها الإخوة والأخوات: إذا تدبرنا كتاب الله عز وجل، وتأملنا في المنهج الذي يرسمه كتاب الله عز وجل للإنسان، نجد شيئا عجيبا، فهو في الوقت الذي ينعي على الطغيان ويحذر منه، ويبين سنة الله عز وجل في الطغاة من عباده، والمصير الذي قد أعده لهم في الدنيا قبل الآخرة، في الوقت ذاته يُهيب بالإنسان أن يبدأ رحلته في هذه الحياة، الرحلة العلمية، الرحلة الإقتصادية، الرحلة السياسية، الرحلة العمرانية الحضارية، يهيب بالإنسان بأن يبدأ رحلته بتطهير القلب، وجعله سالما من غبش الأمراض والرعونات المختلفة. 
 ولماذا جعلنا عنوان هذا الموضوع "التزكية قبل التقنية في القرآن الكريم"؟ لأن القرآن هكذا بين، ووضعنا أمام هذا المنهج، تعالوا لنتبين أولا عناية القرآن بهذا الموضوع بشكل إجمالي، وهذا من الأهمية بمكان. 
 القرآن الكريم يدعو الإنسان دعوة ملحة إلى العلم، ويدعو الإنسان دعوة ملحة إلى التعامل مع هذه المكونات، وتسخيرها عن طريق مفاتح العلم لحاجة الإنسان، لا شك أن القرآن الكريم يجعلنا نعشق العلم – العلم بما في هذه الكلمة من معنى – والقرآن إذ يضع بين أيدينا مفاتح العلم، يهيب بنا أن نتعامل مع الكون على أساس العلم، يهيب بنا أن نستثير كوامن الأرض، وأن نستخرج دخرها، وأن نسخر كل ما في الأرض من كنوز ومدخرات ومعادن وخيرات، لصالح الحياة الإنسانية، ويبين لها ربنا عز وجل أنه جعل من باطن الأرض ذخرا لمؤونة الإنسان، التي يحتاج إليها طعاما، والتي يحتاج إليها عمرانا، فهو سبحانه وتعالى يهيب بنا أن نسخر الأرض ظاهرها وباطنها لكل ما يحتاج إليه الإنسان، كما يهيب بنا أن ننظر إلى الملإ الأعلى، إلى السماوات العلا ونتبين الجوانب التي أخضعها الله عز وجل للإنسان، لتكون خادما للإنسان من فلك وكواكب ومجرات... ويهيب بنا سبحانه عز وجل أن نُخضع ذلك لعلومنا ومعارفنا، لنجعل منها أيضا أداة لحياة الإنسان، وللعمارة الحضارية التي كلفنا الله عز وجل بها. 
 إن القرآن الكريم إذ يدعونا إلى كل ما ذكرناه آنفا، فهو يلفت أنظارنا إلى أن هذا الذي يبنغي أن نقوم به له أساس، يبنغي أن نبدأ به، وينبهنا مرارا إلى أن هذا الأساس لابد منه قبل كل شيء، هو أساس خفي، كأي أساس لكل بناء، إنه سبحانه وتعالى يهيب بنا أن نبدأ بهذا الأساس الخفي، ثم نبني عليه أنشطتنا العلمية ورحلتنا الفكرية، وتسخيرنا للأرض وما فيها وللمكونات التي حولنا، نبدأ رحلتنا هذه الطويلة الحضارية، على هذا الاساس. 

ماهو هذا الأساس؟ 

 الأساس هو البدأ بالقلب، الأساس هو أن نبدأ بتزكية النفس، تطهرير النفس الإنسانية الداخلية من كثير من الرعونات والأهواء، يبنغي أن نبدأ رحلتنا العلمية، والتسخيرية للمكونات بهذا الاساس، وخطورة وأهميته هذا الاساس في كونه خفيا، إذا يجب أن نعود إلى قلوبنا وإلى أفئدتنا، فهي محل تجمع كثير من الأمراض كالأحقاد والدغائن... فنسير قدما في تأسيس هذا الأساس ووضعه بين يدي الرحلة العلمية التقنية التي ذكرنا عنها كلاما مختصرا الآن، وكتاب الله عز وجل يدعونا إلى ذلك، وقل من يتنبه إلى هذا. 
 الأساس هو الإنطلاق إلى الحياة والتعامل معها من سلامة القلب، وهذا يحتاج إلى صبر وتربية وجهد، فإن فعلنا ذلك ثم بدأنا رحلتنا العلمية التقنية، ستكون أنشطتنا العلمية كلها مفيدة للإنسانية، وستكون هذه الأنشطة على اختلافها مفاتيح للخير ومفاتيح سعادة للإنسانية، ولن نشقى من خلال علومنا التي نمارسها والتي نتسابق إليها بشكل من الأشكال. 
 إذا فمعنى عنواننا "التزكية قبل التقنية" هو البدؤ بتزكية النفس وتطهير القلب، قبل الشروع في ممارسة العلوم الكونية المادية في القرآن الكريم. 
التزكية في اللغة العربية هي التطهير، نقول هذا المكان مزكى، أي طاهر، هذا ثوب زكي، يعني طاهر ونظيف، وكلمة التزكية، يستعملها البيان الإلهي للرحلة التربوية القلبية للإنسان، هذه الكلمة يريد منها البيان الإلهي، تطهير دخائن النفس والقلب، والقصد من هذا التطهير، أن تكون قلوبنا سليمة، خالية من الغبش، خالية من الرعونات والأحقاد، خالية من كل ما يتنافى مع الأنشطة الإنسانية التعاونية، إذن فالسبيل إلى تطهير القلب ليكون سليما هو التزكية. 

كيف تكون التزكية؟ 

 تعالوا بنا، نتبين هذا في كتاب الله عز وجل 
 القرآن الكريم يدعونا إلى القلب السليم، ويثني على من يتصف بالقلب السليم، ويبين كذلك أهمية القلب السليم، يقول الله عز وجل على لسان سيدنا ابراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام (وَلَا تُخْزِنِے يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنَ اَتَي اَ۬للَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، البيان الإلهي قارن بين التعامل بالمال والبنين والعمران الحضاري، والقلب السليم، أي إذا لم يبدإ الإنسان بالقلب السليم يوفره في كيانه، فلن تفيده أمواله ولا أنشطته العلمية... وسيدنا إبراهيم عليه السلام، لم يقل إلى من أتى الله بأعمال كثيرة كصلاة وزكاة وغيرها من الطاعات، وإنما قال (إِلَّا مَنَ اَتَي اَ۬للَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
 ويقول الله جل في علاه (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ، إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، أي مزية سيدنا ابراهيم عليه السلام التي ينبغي أن يتحلى بها الناس جميعا، هي أنه إذا ارتحل من هذه الدنيا أن يرتحل بقلب سليم، خال من الغش، خال من الأحقاد والدغائن، خال من الكيد والإستكبار، فمن رحل إلى الله بهذا القلب السليم، التقصيرات الكثيرة التي وقع فيها سيصفح عنها البارئ عز وجل وسيغفرها له. 
 وسلامة القلب هي المقصود من السلام في عدد كثير من آي القرآن الكريم، فعندما نتحدث عن السلم والسلام في الإسلام وفي القرآن، يجب أن لا يغيب عنا معناها الحقيقي، فليس المراد من الآيات الكثيرة التي نقرؤها عن السلم والسلام، ليس معناها رفع لواء السلام وانتهى الأمر، ارتفاع لواء السلام سهل، وما أكثر ما يغش الناس بعضهم ببعض بهذا اللواء إذ يرفعونه، المقصود بالسلم والسلام إذ يدعو إليه البيان الإلهي، هو السلام الذي ينبع من القلب، السلام الذي يخرج من أعماق الكيان، هذا هو الضمانة لأخوة الناس بعضهم مع بعض، هذا هو الضمانة لاجتماع الناس على المودة والقربى، هذه هي الضمانة ليتجه الإنسان بعد ذلك إلى العلوم المختلفة، ويجعل منها رياحين وأغصان للمودة والحب، ولا يجعل منها سهام للوقيعة والعدوان والبغضاء. 
 التزكية المطلوبة لتطهير القلب هي التي قال عنها البارئ عز وجل (قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكّ۪يٰ)، أي قد سعد ووصل إلى مبتغاه في الدنيا قبل الآخرة، من طهر قلبه، ويقول الحق عز وجل ( قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَا)، أي قد أفلح من طهر النفس من أمراضها، وقد خاب من جعلها تختنق بالأمراض والشهوات، وغاية ارسال الرسل عليهم السلام هو الأخذ بيد الخلق لتزكية نفوسهم، قال الله عز وجل لسيدنا موسى عليه السلام (اَ۪ذْهَبِ اِلَيٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغ۪يٰ، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَيٰٓ أَن تَزَّكّ۪يٰ) 
نستأنف الحديث في الدرس المقبل ان شاء الله. 
وصلى الله على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق