القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار الاخبار[LastPost]

الأسماء الحسنى والتعرف على الرب الأعلى (1)

وقد ساق الله تعالى في كتابه ما فند به ما قيل في ذاته وصفاته، وما ادعي في أفعاله ومحكم أحكامه في قوله الجامع لأُمَّات صفاته
بسم الله الرحمان الرحيم 
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه 
 إن من أجل ما ينبغي أن يؤسس عليه فضل التذكير وأرقى ما يبنى عليه فن التنوير في باب التعليم والتبصير، في زمن هذا الحجر الصحي المؤقت القصير، التعريف بالله تعالى من خلال إحصاء أسمائه الحسنى وتبيين سر معاني صفاته العلا، الذي جعله القرآن أُولَى مقاصد البعثة النبوية، وأَوْلى أولويات الدعوة المحمدية؛ لأنه يبين بحقه عن حقيقة الله وجلاله وكماله، ويكشف عن تفرد الله في جماله وبهائه، ويسفر عن اختصاصه بحكمه ونفاذ مشيئته في خلقه.. 
 وقد دعا الله سبحانه الخلق إلى دعائه بها والإلظاظ بترديدها، والتقرب بإحصاء مَدَالِيلِها، توسلا بفقهها، وتذرعا بصدق تنزيلها، لبلوغ المقصود من توحيده، وإدراك الغاية من تمجديه وتعظيمه، التي بها يتحقق سر الاستخلاف، وبسببه يقع التعبد الراشد بلا تمرد ولا اعتساف. 
 وقد دعا الله سبحانه خلقه للتعرف على هذه السمات، وندبهم إلى فقه ما تحمله من نعوت وصفات في قوله سبحانه في البينات المحكمات: (وَلِلهِ اِ۬لَاسْمَآءُ اُ۬لْحُسْن۪يٰ فَادْعُوهُ بِهَا، وَذَرُواْ اُ۬لذِينَ يُلْحِدُونَ فِےٓ أَسْمَٰٓئِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]. وقوله في الباقيات الصالحات: (قُلُ اُ۟دْعُواْ اُ۬للَّهَ أَوُ اُ۟دْعُواْ اُ۬لرَّحْمَٰنَ، أَيّاٗ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ اُ۬لَاسْمَآءُ اُ۬لْحُسْن۪يٰ، وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاٗ، وَقُلِ اِ۬لْحَمْدُ لِلهِ اِ۬لذِے لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداٗ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِے اِ۬لْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ اَ۬لذُّلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) [الإسراء: 110-111]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم تنصيصا على ما فيها من مبشرات: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» (البخاري برقم 2736 ومسلم برقم 2677). 
 ويأتي الإحصاء في اللغة على وجهين: 
 أحدهما بمعنى: الإحاطة بعلم عدد الشيء وقدره، ومنه قوله تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن: 28].. 
والثاني: بمعنى: الإطاقة له، كقوله تعالى: (عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ) [المزمل: 20]، أي لن تطيقوه… 
 وقد يجوز أن يكون المعنى: من أحصاها عددًا وحفظًا وعلمًا بما يمكن علمه من معانيها المستفاد منها علم الصفات التي تُفيدها؛.. 
 وفيه وجه آخر يحتمل أن يكون الإحصاء المراد فى هذا الحديث والله أعلم العمل بالأسماء والتعبد لمن سمى بها.. (انظر شرح ابن بطال 10/419). 
 ووجه ذلك أن ما كان من أسماء الله تعالى مما يجب على المؤمن الاقتداء بالله تعالى فيه كالرحيم والكريم والعفو والغفور والشكور والتواب وشبهها، فإن الله تعالى يحب أن يرى على عبده حُلَاها ويرضى له معناها، والاقتداء به تعالى فيها. فهذا العمل بهذا النوع من الأسماء وما كان منها مما لا يليق بالعبد معانيها كالله والأحد والقدوس والجبار والمتعال والمتكبـر والعظيم والعزيز والقوي وشبهها، فإنه يجب على العبد الإقرار بها والتذلل لها والإشفاق منها، وما كان بمعنى الوعيد كشديد العقاب، وعزيز ذي انتقام وسريع الحساب وشبهها، فإنه يجب على العبد الوقوف عند أمره واجتناب نهيه؛ (انظر شرح ابن بطال 10/419 ـ 420). 
 إن استشعار خشية الله واستذكار جزائه، والخوف من مقامه وشديد وعيده، والرهبة من غضبه وأليم عقابه وجه من وجوه إحصاء الأسماء، وشكل من أشكال التعرض لحسن الجزاء. «... والدليل على أن حقيقة الإحصاء والحفظ في الشريعة إنما هو العمل بمضمونها، والتخلق بأخلاقها، قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الخوارج: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية". فبين أن من قرأ القرآن ولم يعمل به لم ترفع قراءته إلى الله، ولا جازت حنجرَتَه، فلم يكتب له أجرها وخاب من ثوابها كما قال تعالى: (اِلَيْهِ يَصْعَدُ اُ۬لْكَلِمُ اُ۬لطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ اُ۬لصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10]، يعنى أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى.. ويوضح هذا أيضًا ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله: إن أهم أموركم عندى الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه. ولم يرد عمر بحفظها إلا المبالغة فى إتقان العمل بها من إتمام ركوعها وسجودها وإكمال حدودها لا حفظ أحكامها وتضييع العمل بها» (انظر شرح ابن بطال 10/419). 
 لذلك وجب فقه إحصائها، والاعتياد على الإلظاظ بها، والتَّوْق إلى استمراء الذكر بِجَرْسِ ألفاظها؛ لأن شُعب الإيمان تنبني عليها، ومقامات التزكية ترجع كلها إليها، إذ لا يصح أي تقرب مأمول، وإن جمع في الظاهر شرائط القبول، إذا لم يتجرد فيه التوحيد، ويَسْلُب ما يليق به عن العبيد، مهما ظهرت على أيديهم من قدرات، أو فُتنوا به من ضروب الابتكارات والاختراعات. 
    الدكتور إدريس ابن الضاوية 
       العرائش 9 ـ 4 ـ 2020
         يليه المقال الثاني ... 
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات