القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار الاخبار[LastPost]

الأسماء الحسنى والتعرف على الرب الأعلى (2)

التعرف على الله تعالى من خلال ما دل عليه من أسمائه، والعروج إليه عن طريق ما عدد من صفاته، مفتاح التحقق بصحة العبادة المشرقة
بسم الله الرحمان الرحيم 

والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه
 وحسبك معرفة بعظم قدر الله تعالى في ذاته، وكماله في جلاله وصفاته، وقداسة فِعاله في تصرفاته، آيات سورة الحشر الجامعة لخاصة أمهاتها، ونظام سورة النضير* الناصَّة على قداسة الذات وكمالاتها، التي ساقها الله مساق العلامات البينات الفارقة، التي تباين مقالات المتفرقين العائقة، الذين جهلوا قدر جلال خالقهم، وصدفوا عن معرفة حق بارئهم، فقنعوا بجهالات الأعراف والعادات، ورضوا ما زين لهم من شنيع السيئات، مُقْتَفين فيها آثار رؤوسهم من السادات، ومحادِّين بها ربهم تعالى، مدعين له ما عنه يتسامى، فتركوا طرائق الحق الَّلاحِبَة، وسلكوا مسلك الأودية الخائبة، متبعين - عن غي - فهومهم الخاطئة، مُسْتَرْوِحِين لظنونهم الكاذبة التي لا تغني من الحق الجلي شيئا. *("النضير" اسم من أسماء سورة الحشر. انظر مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور 3/71) 
 وقد ساق الله تعالى في كتابه ما فند به ما قيل في ذاته وصفاته، وما ادعي في أفعاله ومحكم أحكامه في قوله الجامع لأُمَّات صفاته: (هُوَ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِے لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَٰلِمُ اُ۬لْغَيْبِ وَالشَّهَٰدَةِ،هُوَ اَ۬لرَّحْمَٰنُ اُ۬لرَّحِيمُ، هُوَ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِے لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ اَ۬لْمَلِكُ اُ۬لْقُدُّوسُ اُ۬لسَّلَٰمُ اُ۬لْمُومِنُ اُ۬لْمُهَيْمِنُ اُ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْجَبَّارُ اُ۬لْمُتَكَبِّرُ، سُبْحَٰنَ اَ۬للَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اَ۬للَّهُ اُ۬لْخَٰلِقُ اُ۬لْبَارِۓُ اُ۬لْمُصَوِّرُ، لَهُ اُ۬لَاسْمَآءُ اُ۬لْحُسْن۪يٰ، يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ، وَهُوَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُ) [الحشر 22 ـ 24]. 
 إن التعرف على الله تعالى من خلال ما دل عليه من أسمائه، والعروج إليه عن طريق ما عدد من صفاته، مفتاح التحقق بصحة العبادة المشرقة، المؤسسة على الطاعة المطلقة، تمثلا لكل فروض الإسلام، وتحققا بالمكارم العظام، بشرط التواصي بالحق والتواصي بالصبر اللذين جعلهما الله تعالى أساسا في تثبيت الإيمان، وموردا لازما لتنفيذ الأحكام، والمداومة على العمل الصالح المحقق لواجب الاستخلاف في الأرض. 
 ومنهج التخلق المقصود من الابتعاث يُبْلَغُ من خلال التحقق الصادق بمعانيها، وتمثل ما يناسب الطاقة من فقه مبانيها. 
 وقد نص على ذلك الإمام أبو حامد الغزالي في قوله: «ينبغي أن يكون حظ العاقل منها - أي أسماء الله الحسنى - السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها، والتحلي بمحاسنها، وبه يصير العبد ربانيا أي قريبا من الرب تعالى، وبه يصير رفيقا للملأ الأعلى من الملائكة فإنهم على بساط القرب» (المقصد الأسنى ص: 46). 
 وفسر الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي هذا المعنى في قوله: «إن أصل الخُلُقِ، [التَّخَلُّقّ] بصفات الله، والاقتداء بأفعاله، ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية، والفوائد الفرعية، والمحاسن الأدبية،... فمن ذلك عدم المؤاخذة قبل الإنذار، ودل على ذلك إخباره تعالى عن نفسه بقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّيٰ نَبْعَثَ رَسُولا) [الإسراء: 15]». فجرت عادته فى خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل .. ومنها الإبلاغ في إقامة الحجة على ما خاطب به الخلق، فإنه تعالى أنزل القرآن برهانا في نفسه على صحة ما فيه، وزاد على يدي رسوله عليه الصلاة والسلام من المعجزات ما في بعضه الكفاية. ومنها ترك الأخذ من أول مرة بالذنب، والحلم عن تعجيل المعاندين بالعذاب، مع تماديهم على الإباية والجحود بعد وضوح البرهان وإن استعجلوا به. ومنها تحسين العبارة بالكناية ونحوها في المواطن التي يحتاج فيها إلى ذكر ما يستحى من ذكره في عادتنا، كقوله تعالى: (أو لامستم النساء) [النساء: 43].. ومنها التأني في الأمور، والجري على مجرى التثبت والأخذ بالاحتياط، وهو المعهود في حقنا، فلقد أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما وهو في عشرين سنة، حتى قال الكفار: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ اِ۬لْقُرْءَانُ جُمْلَةٗ وَٰحِدَةٗ). [الفرقان: 32]. فقال الله: (كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ) [الفرقان: 32]. وقال: (وَقُرْءَاناٗ فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَي اَ۬لنَّاسِ عَلَيٰ مُكْثٖ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلاٗ) [الإسراء: 106]..» (الموافقات 3/377). 
 وبهذا التعرف العلمي والعملي لحقيقة أسماء الله، تظهر حقيقة العبادة التي ألزم الله بها المكلفين، وتظهر ثمار الطاعة التي تميـز الناس يوم الدين، في قول رب العالمين: (يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ اُ۟عْبُدُواْ رَبَّكُمُ اُ۬لذِے خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 21]. ويتحقق شرط قبولها، بابتغاء وجه الله تعالى بها، وموافقة النبي صلى الله عليه وسلم في شروطها، ومراعاة أوقاتها وكيفياتها، مع المداومة عليها، وترك مفاسدها من مساوئ الأعمال كالإشراك والارتشاء والرياء، أو الإصرار على كبائر الذنوب كالكبر والظلم وترك الاستحياء، المؤثرة على القبول وبلوغ الرضوان، والمؤخرة عن إدراك كرامة الغفران، المؤمنة مما يخزي من الهوان وشر الأحزان. 

وكتبه تذكرة لأحبائه من أبناء أمته على اختلاف اختياراتهم وانتماءاتهم وتباين الجزئيات من اجتهاداتهم. 
الدكتور إدريس ابن الضاوية 
العرائش 9 ـ 4 ـ 2020
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات