القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار الاخبار[LastPost]

الغش كله دمار، وهلاك وخسار، يذهب بالبركات، ويجر الويلات، ويأتي بالآفات، ويفتح على صاحبه أبواب المهلكات.
بسم الله الرحمان الرحيم

خطبة فصيرة ومؤثرة عن الغش وخطره وعواقبه

الخطبة الأولى: 

  الحمد لله، أحمده على نعمه وآلائه، وأشكره على فضله وعطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله جل في عليائه، وتعزز في عظمته وكبريائه، وتقدس في صفاته وأسمائه، وأشهد أن سيدنا محمدا خاتم رسله وأنبيائه، وأعزُّ أحبابه وأوليائه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وأصحابه والمتمسكين بهديه إلى يوم لقائه.
  معشر المومنين والمومنات: حديثنا في خطبة اليوم سائلين الله عز وجل التوفيق والسداد، حول ظاهرة انتشرت واستفحلت، وعمت جميع الميادين والقطاعات، وصارت وسيلة لكسب المال، وبلوغ المناصب، والحصول على الشهادات، إنها ظاهرة الغش، فمن الصغير إلى الكبير، ومن الغني إلى الفقير، ومن الشريف إلى الحقير، يكاد الغش يكون السمة البارزة التي يلجأ إليها الكل لتحقيق أهدافه، وبلوغ مقاصده وغاياته، والغش أيها الإخوة، هو ضد النصيحة، ونقيض الحقيقة، وعكس ما يأمر به ديننا الحنيفية، وتدعو إليه شريعتنا الإسلامية، فالإسلام يأمر بالنصيحة في جميع المجالات، وفي شتى الميادين، أخرج الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِنَبِيِّهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»
 فالنصيحة واجبة في هذا الدين، وفريضة عينية على جميع المسلمين، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرضها على أصحابه، ويأخذ عليها البيعة من أتباعه، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» 
 عباد الله: كما أوجب الله النصيحة على المؤمنين، وجعلها فرضا عينيا على المسلمين، فقد حرم عليهم الغش بضروبه وأنواعه، وبكل أشكاله وألوانه، لأن الغش ينافي الإيمان، ويناقض الصدق، ويضادُّ الإخلاص، فالمؤمن لا يكون غشاشا، والغشاش لا يكون مؤمنا، فالغش حرام، منهي عنه في الإسلام، معدود من كبائر الآثام، وما ذلك إلا لعموم ضرره، وشمول خطره، واستفحال أمره، وكثرة شره، يدفع المجتمع كله ثمنه، ويجني الصغير والكبير نتيجته وثمره، فهو عائق من عوائق النهضة، وأحد أسباب تخلف الأمة، وأيم الله ما تخلف المسلمون إلا لما انتشر فيهم الغش والخيانة، والغدر والخديعة، إلى جانب أمراض فتاكة غيرِها، ولهذا فإن الغاش لا يحق له أن يعد نفسه من المسلمين، وليس له أن ينتحل هُوية المؤمنين، وإن استقبل قبلتهم، وحج بيتهم، وصام معهم، وأدى زكاته لفقرائهم. 
 الذي يغُش الناس ويخدعهم ويمكُرُهم، طرده النبي صلى الله عليه وسلم من صفوف أمته، وأخرجه من دائرة أتباع ملته، روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
 إخوة الإيمان: الغِش لا يقتصر على ميدان، ولا يخص مجالا دون آخر، فالغش يمكن أن يمارس في جميع الحرف والمهن، وفي كل المناصب والوظائف، بل وحتى في التعليم والدراسة، والزعامة والإمامة، إلا أن المجال الذي برز فيه بشكل فظيع ومثير، مجال التجارة، وميدان البيع والشراء، ولذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وحذر التجار منه، وأمرهم أن يبينوا ما قد يكون في السلع والبضائع من عيوب يمكن أن تخفى على المشتري ولا يطلع عليها إلا لاحقا بعد إبرام الصفقة وفوات الأوان، فهذا هو الغش التجاري،روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»
 عباد الله: ومن الغش التجاري الذي حرمه الإسلام، الخلط بين البضاعة الجيدة، والبضاعة الرديئة، أو البضاعة الرخيصة والبضاعة الثمينة، فالإسلام يأمر التاجر أن يعرض كل نوع من البضاعة على حدة، روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَقَدْ حَسَّنَهُ صَاحِبُهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، فَإِذَا طَعَامٌ رَدِيءٌ فَقَالَ: «بِعْ هَذَا عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا عَلَى حِدَةٍ، فَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
 والغش كله دمار، وهلاك وخسار، يذهب بالبركات، ويجر الويلات، ويأتي بالآفات، ويفتح على صاحبه أبواب المهلكات، فما يخسره الغاش أكثر بكثير مما يربحه، وما يفقده أعظم وأعظم مما يستفيده، فقد خسر دينه، وخسر عاقبته، وخسر السعادة التي يَنْشُدُهَا العباد، ويسعى إليها الناس، فلا تغرنكم كثرة أموال الغاشين، ولا غناهم وتَرَفُهُم، ولا تنعمهم في حياتهم، فالعبرة بالعاقبة، والنتيجة عند الخاتمة، فعما قليل ليصبحن هؤلاء نادمين، إذا وضع ميزان العدل أمامهم يوم الدين، فيفضحون على رؤوس الأشهاد من الأولين والآخرين، روى البيهقي في شعب الإيمان عن صفوان بن سليم أن أبا هريرة رضي الله عنه مر بإنسان يحمل لبنا قد خلطه بالماء يبيعه فقال له أبو هريرة: كيف لك إذا قيل لك يوم القيامة: "خلص الماء من اللبن؟". 
 فاتقوا الله أيها الإخوة المسلمون، واحذروا الغِش فإنه حرام على المسلمين، ولا يحل إلى يوم الدين، وكونوا من الذين يستمعون فيتبعون، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، 
 أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين. 

الخطبة الثانية: 

 الحمد لله حق حمده، والشكر له كما ينبغي لعزه ومجده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه ومن آمن به ووفى بعهده، أما بعد: 
معشر المومنين والمومنات: لا بد أن يرجع المسلمون إلى دينهم، وأن يتمسكوا بشريعة ربهم، وأن يلتزموا بتعاليم كتابهم، وأن يستنوا بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم على كل حال، وفي كل ميدان ومجال، إن أرادوا أن يشرق من جديد سعدهم، ويعود إليهم فخرهم ومجدهم، ويتحقق لهم نصر ربهم، ووعد خالقهم، لا بد أن يكون سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وَفق ما يُرضي الله، وإلا فحالهم سيبقى كما هو عليه إن لم يزدد سوءا، لقول الله تعالى: (إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ)
الختم بالدعاء...
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات